طب وحجامة - اطباء بلا قيود

د/عبدالعزيز السماري

نقلاً عن جريدة الجزيرة السبت 06 ربيع الثاني1426 هـ

 حذرت وزارة الصحة السعودية للمرة الثانية من التعامل مع الطبيب الشعبي الاماراتي محمد الهاشمي ومركزه الطبي الذي يتخذ من حي البريمي في الامارات مقرا له مؤكدة انه لا يستند إلى أساس علمي مدعم بالبراهين يثبت هذه الادعاءات.
جاء اهتمام وزارة الصحة لكشف مثل هذه الأباطيل والادعاءات التي لا تستند إلى أدلة وبراهين علمية مواكباً للدور الذي يجب ان تقوم به الوزارة في مجال التثقيف الصحي للمجتمع.. لكن كان يجب أولا أن يُفتح الملف المحلي في ما يطلق عليه بالطب الشعبي، فالسوق المحلية تزخر بشتى أنواع الدجل بدءاً من سوق المياه الكبريتية والأعشاب المخلوطة بالأدوية الطبية كالكورتيزون وأدوية السكر والربو وغيرها وانتهاءً بالبيع الكثيف لقوارير المياه المعلبة والمعطرة بالزعفران وحروف الآيات الكريمة.
.
هناك الكثير ممن يستغلون عاطفة الإنسان المسلم عندما يوهمونه أن (البصق) مثلاً على الجروح يشفي من البكتيريا والفيروسات والفطريات.. أو أن (الكي) دواء لكل داء أو ان الضرب المبرح على أجساد المصابين بداء الصرع سيخرج (الجني) المستوطن في أجسادهم.. لا أستطيع في هذه العجالة سرد عشرات القصص عن أطفال توقفوا عن الكلام بسبب ما واجهوه من رعب شديد في غرف مظلمة تحت غطاء التسبب والتطبب فما يحدث في عالم الطب الشعبي في مجتمعنا مروع.
لا يمكن تصور حجم الصدمة النفسيه لطفل يصرخ في وجه أحدهم ثم يتحدث إليه بصوت عال وبكلمات غير مفهومة ثم يبدأ في الضرب والخنق والرفس. كيف سيدرك ذلك الطفل أن هذا المعالج لم يكن يتحدث إليه إنما كان يخاطب كائناً آخر في جسده الصغير.. أليس هذا اضطهاداً وتعذيباً يتنافى مع الشريعة ومع حقوق الأطفال.. ألم نرفع شعارات ونعقد برامج وندوات ضد تعذيب الأطفال جسدياً ومعنوياً.. أم أن هذا يدخل ضمن المباح، هذا إذا أدركنا أن هناك رأيا دينيا شائعا يقول بإمكانية مس الجني لجسد الإنسان..
لكن الكثير يتذكر قصة ذلك الشيخ الفاضل والذي اتخذ من المدينة المنورة مقراً له لعلاج الأمراض النفسية والعصبية. فقد عالج أعدادا لا تحصى من المرضى نظير مقابل مادي لسنوات عديدة.. ثم فجأة وبدون مقدمات اعلن على الملأ تراجعه وانسحابه نهائياً من المهنة التي درّت عليه ذهباً.. انسحب بعد أن قدم نصيحة لمرضاه مفادها أن أمراضهم عضوية وان لا علاقة للجن بمتاعبهم الصحية وعليهم مراجعة الطبيب المتخصص.... ولكن على الرغم من تراجعه لم يعد الاموال إلى أصحابها..
الوضع ازداد سوءا، حيث لم تعد تلك الوسائل المرفوضة علمياً محصورة على المشعوذين والدجالين أو المجتهدين بحسن نية إنما تعداها ليصل إلى مجتمع الأطباء، فبعض الأطباء وبعد رحلة طويلة في مهنة الطب الحديث المستند إلى التجربة والبراهين قرر العودة إلى الجذور وكتب التراث والاستعانة بأدوات الطب اللابرهاني المرخص ببمارسته في حياتهم العملية.
فقد سمعنا من أحد الجراحين أنه يستخدم الرقية الشرعية لإيقاف نزيف الدم أثناء العملية، ونتابع منذ فترة على القنوات الفضائية ذلك الخلط العجيب بين الدين والأمراض النفسية..
أخيراً تابعنا قصة الاستشارية المتخصصة من احدى الجامعات في كندا والتي أمضت أكثر من عقد من الزمن في مجال تخصصها الدقيق في أكبر مستشفيات العاصمة.. تابعنا افتتاحها عيادة خاصة للحجامة في الرياض وتحولها إلى معالجة جميع الامراض عن طريق الحجامة.. سمعنا وقرأنا ادعاءاتها ودعواتها الإعلانية المتكررة للمرضى لزيارتها في عيادتها لتداوي أمراضهم المزمنة عن طريق إخراج (الدم) الفاسد من الأوردة.. فهي تدعي انها عن طريق الحجامة تشفي المصابين من داء الصرع ومن أمراض السرطان..
إذا كنا في أمس للحاجة إلى حركة توعوية ورقابة صارمة على اولئك الذين يمارسون مهنة الدجل والشعوذة ويستغلون التدني الشديد للوعي الصحي والمعرفي للإنسان بشكل عام في المجتمع، فإننا في حاجة أشد لوقف تلك العينة من الأطباء الذين يمارسون مهنا غير مرخص لها، وتخالف ميثاق شرفهم الطبي الذي ينص أن لا يستغلوا جهل المريض ومعاناته من اجل مكاسب مادية، وأن لا يعالجوا مرضاهم بطرق غير طبية لا تستند إلى براهين عملية موثقة كما جاء في بيان الوزارة، ولم تنل ترخيصاً من المؤسسات الطبية المتعارف عليها دولياً..
يجب أن تتدارك الوزارة والهيئة السعودية للتخصصات الطبية الوضع قبل أن يصبح هذا الوضع النادر نسبياً امراً شائعاً ووسيلة للثراء السريع لدى بعض الأطباء كما هو الحال لدى غيرهم.. يظل السؤال عن أسباب نمو شعبية هذه الوسائل ولماذا يتهافت المرضى على عياداتهم ويدفعون الأموال الطائلة؟... هناك من يؤمن أن كتب التراث هي مصدر العلم الوحيد، وان فيها الحل والعلاج لكل داء.
هذا على وجه التحديد هو جوهر الإشكالية لا يمكن ثبات بطلانها من خلال بيان وزاري، لكن الدور الحقيقي يأتي على علماء الدين الذين عليهم ان يتوقفوا عن تأييد مثل هذا الرأي الخاطئ إذ لا يمكن مثلاً لابن القيم أو الغزالي او حتى ابن سينا أن يكونوا أكثر علماً في علوم الطب من طالب طب في هذا العصر....
على سبيل المثال.. يقدم بعض المعالجين بالحجامة وغيرها وهو منقول من أحد مواقعهم هذا التعريف الخاطئ تماماً لداء الصرع على أنه هو الحقيقة العلمية الصحيحة:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن صرع الاخلاط، وهو عنده غير صرع الجن: (يكون ذلك ناتجا عن خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة فتمنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء وذلك من غير انقطاع بالكلية، وقد يكون لأسباب أخرى كريح غليظ يحتبس في منافذ الريح أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء ولا يمكن أن يكون الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا).

 


تنبيه : المواضيع والمقالات المنشورة على هذا الموقع تهدف لنشر الوعي والمعلومات العامة عن الصرع فقط. ويجب أن لاتستعمل هذه المعلومات بعيدا عن الإستشارات الطبية.رجاء إتصل بطبيب العائلة أو طبيب المخ و الأعصاب

Disclaimer: The material on this site is for general information only. It is not intended to be taken or substituted for medical advice. Please consult your family physician or neurologist for medical advice

حقوق النشر والطبع © 2002 مركز معلومات ومساندة الصرع . جميع الحقوق محفوظة

Copyright © 2002 ESIC. All rights reserved